فصل: بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المبسوط



.بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ:

(اعْلَمْ) أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ فَقَدْ اُشْتُهِرَ فِيهِ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا وَفِعْلًا.
مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ وَكُنْت أَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ فَأَخْرُج يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ ذَيْلِهِ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ فَقُلْت نَسِيتَ غَسَلَ الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ لَا بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي».
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ «جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ فَقِيلَ لَهُ أَكَانَ ذَلِكَ بَعْد نُزُولِ الْمَائِدَةِ فَقَالَ وَهَلْ أَسْلَمْت إلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ» وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ جَرِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ وَإِنَّمَا قَالَ: هَذَا لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: سَلُوا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَرْوُونَ الْمَسْحَ هَلْ مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ وَاَللَّهِ مَا مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ وَلَأَنْ أَمْسَحَ عَلَى ظَهْرِ عَنْزٍ فِي الْفَلَاةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقَدْ صَحَّ رُجُوعُهُ عَنْهُ عَلَى مَا قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لَمْ يَمُتْ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا حَتَّى اتَّبَعَ أَصْحَابَهُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا لَأَنْ تُقْطَعَ قَدَمَايَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَدْ صَحَّ رُجُوعُهَا عَنْهُ عَلَى مَا رَوَى شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ لَا أَدْرِي سَلُوا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ سَفَرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْنَا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ».
وَفِي رِوَايَةٍ سَمِعْت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فَقَالَتْ هُوَ أَعْلَمُ».
وَلِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا قُلْت بِالْمَسْحِ حَتَّى جَاءَنِي فِيهِ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ: خَبَرُ الْمَسْحِ يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِهِ لِشُهْرَتِهِ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَخَافُ الْكُفْرَ عَلَى مَنْ لَمْ يَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْآثَارَ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهِ فِي حَيِّزِ التَّوَاتُرِ.
وَهُوَ مُؤَقَّتٌ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَفِي حَقِّ الْمُسَافِرِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا لِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَحَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا» وَعَنْ «ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ خَرَجْت إلَى الْعِرَاقِ فَرَأَيْت سَعْدًا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقُلْت مَا هَذَا فَقَالَ إذَا رَجَعْت إلَى أَبِيك فَسَلْهُ فَسَأَلْت أَبِي فَقَالَ عَمُّك أَفْقَهُ مِنْك رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَسَمِعْته يَقُولُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا» وَلِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ وَذَلِكَ مُؤَقَّتٌ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛
لِأَنَّهُ يَلْبَسُ خُفَّيْهِ حِينَ يُصْبِحُ وَيَخْرُجُ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ النَّزْعُ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إلَى بَيْتِهِ لَيْلًا، وَالْمُسَافِرُ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ بِالنَّزْعِ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ فَقُدِّرَ فِي حَقِّهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا أَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ إذْ لَا نِهَايَةَ لِأَكْثَرِهِ.
وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَقُولُ الْمَسْحُ مُؤَبَّدٌ لِلْمُسَافِرِ لِحَدِيثِ «عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ يَوْمًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلْت: يَوْمَيْنِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ حَتَّى انْتَهَيْت إلَى سَبْعَةِ أَيَّامٍ فَقَالَ: إذَا كُنْتَ فِي سَفَرٍ فَامْسَحْ مَا بَدَا لَك» وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ مُرَادَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانُ أَنَّ الْمَسْحَ مُؤَبَّدٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَأَنْ يُنْزَعَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ وَالْأَخْبَارُ الْمَشْهُورَةُ لَا تُتْرَكُ بِهَذَا الشَّاذِّ وَكَانَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: لَا يَمْسَحُ الْمُقِيمُ أَصْلًا وَيَمْسَحُ الْمُسَافِرُ مَا بَدَا لَهُ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: وَفَدْت عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنْ الشَّامِ فَقَالَ: مَتَى عَهْدُك بِالْخُفِّ؟ فَقُلْت مُنْذُ أُسْبُوعٍ.
قَالَ: أَصَبْت.
وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ أَوَّلِ اللُّبْسِ وَخُرُوجِهِ مُسَافِرًا لَا أَنَّهُ لَمْ يَنْزِعْ بَيْنَ ذَلِكَ.
ثُمَّ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ الْحَدَثُ وَاسْتِتَارُ الْقَدَمِ بِالْخُفِّ يَمْنَعُ سِرَايَة الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ فَمَا هُوَ مُوجِبُ لُبْسِ الْخُفِّ إنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ الْحَدَثِ فَلِهَذَا كَانَ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ اللُّبْسِ حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَزْعُ الْخُفِّ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ مِنْ وَقْتِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْدَثَ وَلَمْ يَمْسَحْ وَلَمْ يُصَلِّ أَيَّامًا لَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَ الْعَدْلُ فِي الِاعْتِبَارِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ.
قَالَ (وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ مِنْ كُلِّ حَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ دُونَ الِاغْتِسَالِ) لِحَدِيثِ «صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ نَوْمٍ» وَلِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَلْزَمَتْهُ غَسْلَ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَمَعَ الْخُفِّ لَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ وَالرِّجْلُ مُعْتَبَرَةٌ بِالرَّأْسِ فَمَتَى كَانَ الْفَرْضُ فِي الرَّأْسِ الْمَسْحَ كَانَ فِي الرِّجْلِ فِي حَقِّ لَابِسِ الْخُفِّ كَذَلِكَ وَفِي الْجَنَابَةِ الْفَرْضُ فِي الرَّأْسِ الْغُسْلُ فَكَذَلِكَ فِي الرِّجْلِ عَلَيْهِ نَزْعُ الْخُفِّ وَغَسْلُ الْقَدَمَيْنِ.
قَالَ (وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إذَا لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِينَ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ إنِّي أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ» وَلِأَنَّ مُوجِبَ لُبْسِ الْخُفِّ الْمَنْعُ مِنْ سِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمَيْنِ لَا تَحْوِيلُ حُكْمِ الْحَدَثِ مِنْ الرِّجْلِ إلَى الْخُفِّ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ هَذَا إذَا كَانَ اللُّبْسُ عَلَى طَهَارَةٍ.
قَالَ (فَإِنْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ أَوَّلًا وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ إكْمَالِ الطَّهَارَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا)؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ مَا طَرَأَ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَهُوَ وَمَا لَبِسَ قَبْلَ غَسْلِ الرِّجْلِ سَوَاءٌ، وَإِنْ أَكْمَلَ وُضُوءَهُ قَبْلَ الْحَدَثِ جَازَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عِنْدَنَا وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ لَيْسَ بِرُكْنٍ عِنْدَنَا فَأَوَّلُ الْحَدَثِ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفِّ طَرَأَ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ قَالَ (وَلَوْ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ غَسَلَ الرِّجْلَ الْأُخْرَى وَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ أَحْدَثَ جَازَ لَهُ عِنْدَنَا أَنْ يَمْسَحَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنْ لَمْ يَنْزِعْ الْخُفَّ الْأَوَّلَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ وَإِنْ نَزَعَهُ ثُمَّ لَبِسَهُ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكُونَ لَبِسَهُ بَعْدَ إكْمَالِ الطَّهَارَةِ وَهَذَا اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ يَنْزِعُ ثُمَّ يَلْبَسُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ فِيهِ غَسْلٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ اشْتِرَاطُهُ.
قَالَ (وَمَسْحُ الْخُفِّ مَرَّةً وَاحِدَةً) وَقَالَ عَطَاءٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ثَلَاثًا كَالْغَسْلِ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ «الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْمَسْحِ عَلَى ظَهْرِ خُفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ» وَإِنَّمَا لَمْ تَبْقَ الْخُطُوطُ إذَا لَمْ يَمْسَحْهُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَلِأَنَّ فِي كَثْرَةِ إصَابَةِ الْبِلَّةِ إفْسَادُ الْخُفِّ وَفِيهِ حَرَجٌ فَيُكْتَفَى فِيهِ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَيَبْدَأُ مِنْ قِبَلِ الْأَصَابِعِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى أَسْفَلِ السَّاقِ اعْتِبَارًا بِالْغُسْلِ فَالْبُدَاءَة فِيهِ مِنْ الْأَصَابِعِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْكَعْبَيْنِ غَايَةً.
قَالَ (وَإِنْ مَسَحَ خُفَّيْهِ بِإِصْبَعٍ أَوْ إصْبَعَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يَمْسَحَ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ) وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يُجْزِئُهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ مِثْلُ الْكَلَامِ فِي الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ وَقَدْ مَرَّ.
قَالَ (وَالْخَرْقُ الْيَسِيرُ فِي الْخُفِّ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْمَسْحِ عَلَيْهِ وَفِي الْقِيَاسِ يَمْنَعُ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي بَدَا مِنْ الرِّجْلِ وَجَبَ غَسْلُهُ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ وَإِذَا وَجَبَ الْغُسْلُ فِي الْبَعْضِ وَجَبَ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْخُفَّ قَلَّمَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ خَرْقٍ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ جَدِيدًا فَآثَارُ الزُّرُورِ وَالْأَشَافِي خَرْقٌ فِيهِ وَلِهَذَا يَدْخُلُهُ التُّرَابُ فَجَعَلْنَا الْقَلِيلَ عَفْوًا لِهَذَا فَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَرْقُ كَبِيرًا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا كَانَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ سَفَرًا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذِهِ الرُّخْصَةِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَعَامَّتُهُمْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّا الْخَلَقَ مِنْ الْخِفَافِ وَقَدْ جُوِّزَ لَهُمْ الْمَسْحُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ الْخَرْقُ الْيَسِيرُ إنَّمَا جُعِلَ عَفْوًا لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْكَثِيرِ فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ثَلَاثُ أَصَابِعَ فَإِنْ كَانَ يَبْدُو مِنْهُ ثَلَاثُ أَصَابِعَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ مُعْتَبَرٌ بِالْكَمَالِ وَفِي رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ثَلَاثُ أَصَابِعَ مِنْ أَصْغَرِ أَصَابِعِ الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ الْمَمْسُوحَ عَلَيْهِ الرِّجْلُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ ثَلَاثُ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْمَمْسُوحَ بِهِ الْيَدُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَرْقُ فِي ظَاهِرِ الْخُفِّ أَوْ بَاطِنِهِ أَوْ مِنْ نَاحِيَةِ الْعَقِبِ وَلَكِنْ هَذَا إذَا كَانَ يَبْدُو مِنْهُ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ، فَإِنْ كَانَ صُلْبًا لَا يَبْدُو مِنْهُ شَيْءٌ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ يَبْدُو فِي حَالَةِ الْمَشْيِ دُونَ حَالِ وَضْعِ الْقَدَمِ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يُجْزِهِ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ يُلْبَسُ لِلْمَشْيِ.
وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا إذَا كَانَ يَبْدُو ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ مِنْ الْأَنَامِلِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَتُجْمَعُ الْخُرُوقُ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ وَلَا تُجْمَعُ فِي خُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْخُفَّيْنِ مُنْفَصِلٌ عَنْ الْآخَرِ.
قَالَ (وَإِنْ مَسَحَ بَاطِنَ الْخُفِّ دُونَ ظَاهِرِهِ لَمْ يُجْزِهِ) فَإِنَّ مَوْضِعَ الْمَسْحِ ظَهْرُ الْقَدَمِ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ فَرْضٌ، وَعَلَى بَاطِنِهِ سُنَّةٌ، فَالْأَوْلَى عِنْدَهُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى بَاطِنِهِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا عَلَى كُلِّ رِجْلٍ وَعِنْدَنَا الْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ فَقَطْ لِحَدِيثِ «عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَوْلَى مِنْ ظَاهِرِهِ وَلَكِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ دُونَ بَاطِنِهِمَا» وَلِأَنَّ بَاطِنَ الْخُفِّ لَا يَخْلُو عَنْ لَوَثٍ عَادَةً فَيُصِيبُ يَدَهُ ذَلِكَ اللَّوَثُ وَفِيهِ بَعْضُ الْحَرَجِ وَالْمَسْحُ مَشْرُوعٌ لِدَفْعِ الْحَرَجِ.
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ) وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ جَوَّزَهُ لِحَدِيثِ «بِلَالٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ» وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّةً فَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْمَشَاوِذِ وَالتَّسَاخِينَ» فَالْمَشَاوِذُ الْعَمَائِمُ وَالتَّسَاخِينُ الْخِفَافُ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ «جَابِرٍ قَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَرَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ» وَكَأَنَّ بِلَالًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ بَعِيدًا مِنْهُ فَظَنَّ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ حِينَ لَمْ يَضَعْهَا عَنْ رَأْسِهِ وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّ بِهِ تِلْكَ السَّرِيَّةَ لِعُذْرِهِمْ فَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَخُصُّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بِأَشْيَاءَ كَمَا خَصَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِلُبْسِ الْحَرِيرِ وَخُزَيْمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ.
ثُمَّ الْمَسْحُ إنَّمَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْ الْغُسْلِ لَا عَنْ الْمَسْحِ، وَالرَّأْسُ مَمْسُوحٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ بَدَلًا عَنْهُ بِخِلَافِ الرِّجْلِ وَلِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ كَثِيرُ حَرَجٍ فِي إدْخَالِ الْيَدِ تَحْتَ الْعِمَامَةِ وَالْمَسْحِ عَلَى الرَّأْسِ.
قَالَ (وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لَا تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا) لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا أَدْخَلَتْ يَدَهَا تَحْتَ الْخِمَارِ وَمَسَحَتْ بِرَأْسِهَا وَقَالَتْ بِهَذَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» فَإِنْ مَسَحَتْ عَلَى خِمَارِهَا فَنَفَذَتْ الْبِلَّةُ إلَى رَأْسِهَا حَتَّى ابْتَلَّ قَدْرُ الرُّبْعِ أَجْزَأَهَا حَتَّى قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إذَا كَانَ الْخِمَارُ جَدِيدًا يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَدِيدًا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ ثُقُوبَ الْجَدِيدِ لَمْ تَنْسَدَّ بِالِاسْتِعْمَالِ فَتَنْفُذُ الْبِلَّةُ مِنْهَا إلَى الرَّأْسِ.
قَالَ (وَأَمَّا الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ فَإِنْ كَانَا ثَخِينَيْنِ مُنَعَّلَيْنِ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّ مُوَاظَبَةَ الْمَشْيِ سَفَرًا بِهِمَا مُمْكِنٌ وَإِنْ كَانَا رَقِيقَيْنِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ اللِّفَافَةِ وَإِنْ كَانَا ثَخِينَيْنِ غَيْرَ مُنَعَّلَيْنِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مُوَاظَبَةَ الْمَشْيِ بِهِمَا سَفَرًا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَكَانَا بِمَنْزِلَةِ الْجَوْرَبِ الرَّقِيقِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَرَضِهِ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ ثُمَّ قَالَ لِعُوَّادِهِ فَعَلْت مَا كُنْت أَمْنَعُ النَّاسَ عَنْهُ فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى رُجُوعِهِ وَحُجَّتُهُمَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ جَوْرَبَيْهِ وَقَدْ رُوِيَ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ وَأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ مُنَعَّلًا أَوْ مُجَلَّدًا، وَالثَّخِينُ مِنْ الْجَوْرَبِ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى السَّاقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشُدَّهُ بِشَيْءٍ.
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْخِفَافِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ اللُّبُودِ التُّرْكِيَّةِ؛ لِأَنَّ مُوَاظَبَةَ الْمَشْيِ فِيهَا سَفَرًا مُمْكِنٌ قَالَ (وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ فَوْقَ الْخُفَّيْنِ) عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إنْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ وَحْدَهُمَا مَسَحَ وَإِنْ لَبِسَهُمَا فَوْقَ الْخُفِّ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ مَا تَحْتَهُمَا مَمْسُوحٌ وَالْمَسْحُ لَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْ الْمَسْحِ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ رَأَيْت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ وَلِأَنَّ الْجُرْمُوقَ فَوْقَ الْخُفِّ فِي مَعْنَى خُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ وَلَوْ لَبِسَ خُفًّا ذَا طَاقَيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عِنْدَنَا عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ إذَا لَبِسَهُمَا فَوْقَ الْخُفَّيْنِ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ وَيَمْسَحَ فَأَمَّا إذَا كَانَ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ أَوَّلًا ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَسْحِ اسْتَقَرَّ عَلَى الْخُفِّ فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ مَا لَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ الْجُرْمُوقَ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ مُدَّةِ الْمَسْحِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ وَقَدْ انْعَقَدَ فِي الْخُفِّ فَلَا يَتَحَوَّلُ إلَى الْجُرْمُوقِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثُمَّ نَزَعَ أَحَدَهُمَا انْتَقَضَ مَسْحُهُ فِي الرِّجْلَيْنِ وَعَلَيْهِ غَسْلُهُمَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُ اللَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ رَوَى حَمَّادٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَرَوَى ابْنُ أَبِي يَعْلَى عَنْ الْحَكَمِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ الْحَكَمِ أَنَّ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالَ الْوُضُوءِ.
وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ انْتِقَاضَ الْوُضُوءِ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزُّؤُ كَانْتِقَاضِهِ بِالْحَدَثِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ الطَّهَارَةَ الْكَامِلَةَ لَا تَنْتَقِضُ إلَّا بِالْحَدَثِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ وَنَزْعُ الْخُفِّ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَوَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّ اسْتِتَارَ الْقَدَمِ بِالْخُفِّ كَانَ يَمْنَعُ سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ وَذَلِكَ الِاسْتِتَارُ بِالْخَلْعِ يَزُولُ فَيَسْرِي ذَلِكَ إلَى الْقَدَمِ فَكَأَنَّهُ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَغْسِلْ رِجْلَيْهِ فَعَلَيْهِ غَسْلُهُمَا، وَالرِّجْلَانِ فِي حُكْمِ الطَّهَارَةِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَإِذَا وَجَبَ غَسْلُ إحْدَاهُمَا وَجَبَ غَسْلُ الْأُخْرَى ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ.
قَالَ (وَلَوْ مَسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ ثُمَّ نَزَعَ أَحَدَهُمَا مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ الظَّاهِرِ وَعَلَى الْجُرْمُوقِ الْبَاقِي) وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْأَصْلِ قَالَ: يَنْزِعُ الْجُرْمُوقَ الثَّانِي وَيَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقَالَ زُفَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ الَّذِي نَزَعَ الْجُرْمُوقَ عَنْهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْآخَرِ شَيْءٌ.
وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الِاسْتِتَارَ بَاقٍ فَكَانَ الْفَرْضُ الْمَسْحُ فَفِيمَا زَالَ الْمَمْسُوحُ بِالنَّزْعِ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ وَفِيمَا كَانَ الْمَمْسُوحُ بَاقِيًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِخِلَافِ مَا إذَا خَلَعَ إحْدَى خُفَّيْهِ.
وَوَجْهُ مَا ذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّ نَزْعَ أَحَدِ الْجُرْمُوقَيْنِ كَنَزْعِهِمَا جَمِيعًا كَمَا إذَا خَلَعَ أَحَدَ الْخُفَّيْنِ يَكُونُ كَخَلْعِهِمَا وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ لَوْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ عَلَى إحْدَى الْخُفَّيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْخُفِّ الْبَاقِي، فَكَذَلِكَ إذَا نَزَعَ أَحَدَ الْجُرْمُوقَيْنِ، إلَّا أَنَّ حُكْمَ الطَّهَارَةِ فِي الرِّجْلَيْنِ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزُّؤُ فَإِذَا انْتَقَضَ فِي أَحَدِهِمَا بِنَزْعِ الْجُرْمُوقِ يَنْتَقِضُ فِي الْآخَرِ فَلِهَذَا مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ الظَّاهِرِ وَعَلَى الْجُرْمُوقِ الْبَاقِي.
قَالَ (وَإِذَا انْقَضَى مُدَّةُ مَسْحِهِ وَلَمْ يُحْدِثْ فَعَلَيْهِ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ وَغَسْلُ الْقَدَمَيْنِ) لِأَنَّ الِاسْتِتَارَ كَانَ مَانِعًا فِي الْمُدَّةِ فَإِذَا انْقَضَى سَرَى ذَلِكَ الْحَدَثُ إلَى الْقَدَمَيْنِ فَعَلَيْهِ غَسْلُهُمَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ كَمَا لَوْ كَانَتْ السِّرَايَةُ بِخَلْعِ الْخُفَّيْنِ.
قَالَ (وَإِذَا تَوَضَّأَ فَنَسِيَ مَسْحَ خُفَّيْهِ ثُمَّ خَاضَ الْمَاءَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ الْمَسْحِ) لِأَنَّ تَأَدِّي الْفَرْضِ بِإِصَابَةِ الْبِلَّةِ ظَاهِرَ الْخُفِّ وَقَدْ وُجِدَ، وَهَلْ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِهَذَا؟ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِهَذَا وَعَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمَاءَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَلَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْمَسْحِ إذَا كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا غَيْرَ جَارٍ وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِي الرَّأْسِ فَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ تَأَدِّي فَرْضِ الْمَسْحِ بِالْبِلَّةِ الْوَاصِلَةِ إلَى مَوْضِعِهَا لَا بِالْمَاءِ الْبَاقِي فِي الْإِنَاءِ فَبَقِيَ الْإِنَاءُ كَمَا كَانَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لَوْ تَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ لَصَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِإِزَالَةِ الْحَدَثِ فَإِنَّمَا أَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ بِهِ.
قَالَ (وَإِذَا اسْتَكْمَلَ الْمُقِيمُ مَسْحَ الْإِقَامَةِ ثُمَّ سَافَرَ نَزَعَ الْخُفَّ)؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَدَثِ سَرَى إلَى الْقَدَمَيْنِ بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْمَسْحِ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ.
قَالَ (وَإِنْ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ كَمَالَ مُدَّةِ السَّفَرِ) لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْمُدَّةِ انْعَقَدَ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَأَمَّا إذَا أَحْدَثَ وَهُوَ مُقِيمٌ أَوْ مَسَحَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ سَافَرَ جَازَ لَهُ عِنْدَنَا أَنْ يَمْسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَمْسَحُ إلَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً.
قَالَ: لِأَنَّ الْمُدَّةَ انْعَقَدَتْ وَهُوَ مُقِيمٌ فَلَا يَمْسَحُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَالشُّرُوعُ فِي مُدَّةِ الْمَسْحِ كَالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ.
وَمَنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فِي السَّفِينَةِ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ صَارَ مُسَافِرًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُتِمَّ صَلَاةَ السَّفَرِ وَإِنَّمَا يُتِمُّ صَلَاةَ الْمُقِيمِينَ.
(وَلَنَا) أَنَّ الْمَسْحَ جَازَ لَهُ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ كَمَالَ مُدَّةِ السَّفَرِ كَمَا لَوْ سَافَرَ قَبْلَ الْحَدَثِ وَفَعَلَ الصَّلَاةَ.
دَلِيلُنَا أَنَّهُ بِالْحَدَثِ صَارَ شَارِعًا فِي وَقْتِ الْمَسْحِ فَوِزَانُهُ أَنْ لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ صَارَ مُسَافِرًا فَهُنَاكَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ.
قَالَ (وَإِذَا قَدِمَ الْمُسَافِرُ مِصْرَهُ بَعْدَ مَا مَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ) لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا وَالْمُقِيمُ لَا يَمْسَحُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ قُدُومُهُ بَعْدَ مَا مَسَحَ يَوْمَيْنِ نَزَعَ خُفَّيْهِ وَلَمْ يُعِدْ شَيْئًا مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ مَسَحَ كَانَ مُسَافِرًا.
قَالَ (وَإِذَا تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَا لَمْ يَبْرَأْ جُرْحُهُ) لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهُ مَا دَامَتْ الْعِلَّةُ قَائِمَةً وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا مَضَى فَكَانَ اللُّبْسُ حَاصِلًا عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ مَا بَقِيَتْ الْعِلَّةُ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَإِنْ بَرِئَ جُرْحُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعَ خُفَّيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ طَهَارَةٌ تَامَّةٌ مَا بَقِيَتْ الْعِلَّةُ وَاللُّبْسُ بَعْدَ الْبُرْءِ غَيْرُ حَاصِلٍ عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفِّ حَتَّى بَرِئَ جُرْحُهُ، فَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ حَتَّى غَسَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ جَازَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ طَرَأَ عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ وَإِنْ أَحْدَثَ قَبْلَ غَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ الْخُفَّ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ طَرَأَ عَلَى طَهَارَةٍ نَاقِصَةٍ.
قَالَ (وَلِلْمَاسِحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنْ يَؤُمَّ الْغَاسِلِينَ) لِأَنَّهُ صَاحِبُ بَدَلٍ صَحِيحٍ وَحُكْمُ الْبَدَلِ حُكْمُ الْأَصْلِ وَلِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ جُعِلَ كَالْغُسْلِ لِمَا تَحْتَهُ فِي الْمُدَّةِ بِدَلِيلِ جَوَازِ الِاكْتِفَاءِ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَكَانَ الْمَاسِحُ فِي حُكْمِ الْإِمَامَةِ كَالْغَاسِلِ.
قَالَ (وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَبُولَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ بَال فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ) لِأَنَّ لُبْسَهُمَا حَصَلَ عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ وَلَمَّا سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ هَذَا فَقَالَ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا فَقِيهٌ فَقَدْ اسْتَدَلَّ بِفِعْلِهِ عَلَى فِقْهِهِ؛ لِأَنَّهُ تَطَرَّقَ بِهِ إلَى رُخْصَةٍ شَرْعِيَّةٍ.
قَالَ (وَإِذَا بَدَا لِلْمَاسِحِ أَنْ يَخْلَعَ خُفَّيْهِ فَنَزَعَ الْقَدَمَ مِنْ الْخُفِّ غَيْرَ أَنَّهُ فِي السَّاقِ بَعْدُ فَقَدْ انْتَقَضَ مَسْحُهُ) لِأَنَّ مَوْضِعَ الْمَسْحِ فَارَقَ مَكَانَهُ فَكَأَنَّهُ ظَهَرَ رِجْلُهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ سَاقَ الْخُفِّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ حَتَّى لَوْ لَبِسَ خُفًّا لَا سَاقَ لَهُ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ إذَا كَانَ الْكَعْبُ مَسْتُورًا فَيَكُونُ الرِّجْلُ فِي سَاقِ الْخُفِّ وَظُهُورُهُ فِي الْحُكْمِ سَوَاءً.
وَإِنْ نَزَعَ بَعْضَ الْقَدَمِ عَنْ مَكَانِهِ فَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ إذَا نَزَعَ أَكْثَرَ الْعَقِبِ انْتَقَضَ مَسْحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكَمَالِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنْ نَزَعَ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ قَدْرَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ انْتَقَضَ مَسْحُهُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ إنْ بَقِيَ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ لَمْ يَنْتَقِضْ مَسْحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعْضُ رِجْلِهِ مَقْطُوعًا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فَلَبِسَ عَلَيْهِ الْخُفَّ جَازَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ فَهَذَا قِيَاسُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (وَإِذَا لَبِسَ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ أَوْ الْوُضُوءِ بِنَبِيذٍ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ نَزَعَ خُفَّيْهِ) لِأَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ وَكَذَلِكَ طَهَارَةُ النَّبِيذِ فَصَارَ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ كَأَنَّهُ لَبِسَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ.
قَالَ (وَإِذَا لَبِسَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ الْخُفَّيْنِ فَإِنْ كَانَ الدَّمُ مُنْقَطِعًا مِنْ حِينِ تَوَضَّأَتْ إلَى أَنْ لَبِسَتْ الْخُفَّيْنِ فَلَهَا أَنْ تَمْسَحَ كَمَالَ مُدَّةِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ وُضُوءَهَا رَفَعَ الْحَدَثَ السَّابِقَ وَلَمْ يَقْتَرِنْ الْحَدَثُ بِالْوُضُوءِ وَلَا بِاللُّبْسِ فَإِنَّمَا طَرَأَ أَوَّلُ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ) فَأَمَّا إذَا تَوَضَّأَتْ وَالدَّمُ سَائِلٌ أَوْ سَالَ بَعْدَ الْوُضُوءِ قَبْلَ اللُّبْسِ فَلَبِسَتْ الْخُفَّيْنِ كَانَ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ فِي الْوَقْتِ إذَا أَحْدَثَتْ حَدَثًا آخَرَ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ عِنْدَنَا.
وَقَالَ زُفَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا أَنْ تَمْسَحَ كَمَالَ مُدَّةِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ سَيَلَانَ الدَّمِ عَفْوٌ فِي حَقِّهَا بِدَلِيلِ جَوَازِ الصَّلَاةِ مَعَهُ فَكَانَ اللُّبْسُ حَاصِلًا عَلَى طَهَارَةٍ.
(وَلَنَا) أَنَّ سَيَلَانَ الدَّمِ عَفْوٌ فِي الْوَقْتِ لَا بَعْدَهُ حَتَّى تَنْتَقِضَ الطَّهَارَةُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَخُرُوجُ الْوَقْتِ لَيْسَ بِحَدَثٍ فَكَانَ اللُّبْسُ حَاصِلًا عَلَى طَهَارَةٍ مُعْتَبَرَةٍ فِي الْوَقْتِ لَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلِهَذَا كَانَ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ لَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ.
قَالَ (وَإِذْ كَانَ مَعَ الْمُسَافِرِ مَاءٌ قَدْرَ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ غَسَلَ الدَّمَ بِذَلِكَ الْمَاءِ ثُمَّ تَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ) وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَتَوَضَّأُ بِذَلِكَ الْمَاءِ.
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقِيلَ هَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ خَالَفَ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أُسْتَاذَه.
وَوَجْهُ قَوْلِ حَمَّادٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ حُكْمَ الْحَدَثِ أَغْلَظُ مِنْ حُكْمِ النَّجَاسَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ النَّجَاسَةِ عَفْوٌ وَمِنْ الْحَدَثِ لَا، وَبِدَلِيلِ جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ إذَا كَانَ لَا يَجِدُ مَاءً يَغْسِلُهُ بِهِ وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَ الْحَدَثِ بِحَالٍ فَصَرْفُ الْمَاءِ إلَى أَغْلَظِ الْحَدَثَيْنِ أَوْلَى، وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الطَّهَارَتَيْنِ بِأَنْ يَغْسِلَ النَّجَاسَةَ بِالْمَاءِ فَيَطْهُرَ بِهِ الثَّوْبُ ثُمَّ يَكُونُ عَادِمًا لِلْمَاءِ فَيَكُونُ طَهَارَتَهُ التَّيَمُّمُ وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الطَّهَارَتَيْنِ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِأَحَدِهِمَا وَيَتْرُكَ الْآخَرِ فَلِهَذَا كَانَ صَرْفُ الْمَاءِ إلَى النَّجَاسَةِ أَوْلَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.